رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
284
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
لشرائط التأثير . وسيجئ في باب الاستطاعة زيادة بسط في أحوالها . ثمّ إنّ متعلّق القدرة « 1 » في هذا المقام تدبير العالم على النهج الواقع ، لا جزء من الأجزاء حتّى يتصوّر الشركة في تدبير الكلّ بدلالة قوله عليه السلام : « ويتفرّد بالتدبير » . وإذ قد ظهر معنى القوّة علم أنّ القديمين القويّين من المستحيلات ؛ لأنّ دفع كلّ واحدٍ منهما اللازمَ للقوّة بالمعنى المذكور - وقد أشار عليه السلام إليه بقوله : « فلِمَ لا يدفع » إلى آخره - يستلزم دفعَ المغلوب حين هو مغلوب للغالب ، والدفع في صورة التكافؤ غير معقول ، فكيف في صورة المغلوبيّة ؟ فكأنّه عليه السلام يقول : إنّ كون القديمين قويّين مستحيل هذا ، وأمّا الضعيفان فإذ كان كلّ منهما فاقدَ الاستطاعة على تدبير العالم ، فيجوز في جليل النظر أن يكونا واقعين ، وكان هذا التدبير منهما معاً ؛ إمّا بالمشاركة والمشاورة ، أو بتفويض أحدهما الأمرَ إلى صاحبه ، وكفّ الممانعة والمضادّة ، والاحتياج في التدبير غير منافٍ للقِدَم ، وإنّما المنافي الاحتياج في الذات ولوازم الذات ، فلابدّ من التعرّض لإبطال هذا الشقّ ، ولعلّه عليه السلام أخّر ذلك ليدرجه في شقوق قوله فيما بعد : « فإن قلت : إنّهما اثنان » كما سيظهر عند شرحه ، فشقّ الضعيفين مبطل بالقوّة ، وكون أحدهما قويّاً والآخر ضعيفاً موجب المقصود من أنّ المدبِّر واحد ، وما عداه مدبّر بتدبيره عاجز عن المشاركة ؛ لأنّ القويّ دافعه ، فهو عاجز عن المشاركة والمضادّة ، ولذا قال عليه السلام : « العجز الظاهر من الثاني » وإن أراك تزعم أنّ ظهور العجز في الثاني من جهة فرض كونه ضعيفاً ، وليس الأمر كذلك ؛ لأنّ الضعف - كما عرفت من تفسير القويّ - عدمُ الاستطاعة على تدبير العالم ، أي إيجاد كلّ جزء منه في الموضع اللائق به على وجه الصواب والحكمة ، ومن لم يستطع على ذلك بانفراده أمكن أن يكون قد فعل بشركة غيره ، والعجز بمعنى المقهوريّة غير الضعف بالمعنى المذكور ، فلا يمتنع أن يكون التدبير الواقع في العالم ، الموجبُ لاتّصال جميع أجزائه بعضِها ببعض من قديمين ضعيفين ، فلا يثبت أنّ المدبّر واحد .
--> ( 1 ) . في حاشية النسخة : « القوّة . ل » .